المقريزي

346

المقفى الكبير

عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة فكفّنه عمرو ودفن [ ه ] بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة عليها السلام . وقيل : بل علّق يزيد الرأس بدمشق ثلاثة أيّام ، وأنّه مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة ، فبعث فجيء به وقد بقي عظما أبيض ، فجعله في سفط وطيّبه وكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين . فلمّا زالت دولة بني أميّة وقدم بنو العبّاس إلى دمشق ، سألوا عن موضع الرأس ونبشوه وأخذوه ، واللّه أعلم ما صنع به . وقال قوم بأنّ الرأس صار إلى مدينة عسقلان فدفن هناك إلى أن كانت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة [ ف ] خرج الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ من القاهرة ودخل عسقلان [ 504 ب ] وأخرج الرأس من مكان دارس وعطّره وحمله في سفط إلى دار وعمّر مشهدا ، وحمل الرأس على صدره وسعى به ماشيا إلى أن أحلّه في مقرّه . ثمّ نقل الرأس من عسقلان فوصل إلى القاهرة في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، أحضر الأمير سيف المملكة تميم والي عسقلان ، والقاضي المؤتمن بن مسكين مشارفها ، وجعل في القصر يوم الثلاثاء عاشره . وبنى له الموضع المعروف بالمشهد الحسينيّ من القاهرة . ومن الناس من يثبت أنّ هذا هو رأس الحسين ، ومنهم من ينفي ذلك . قال ابن عبد الظاهر : وسمعت من يحكي حكاية يستدلّ بها على بعض شرف هذا الرأس المبارك ، وهي أنّ السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب لمّا أخذ أهل القصر وشي له بخادم له قدر في الدولة المصريّة ، وكان زمام القصر . وقيل إنّه يعرف الأموال التي بالقصر والدفاتر . فأخذ وسئل فلم يجب بشيء وتجاهل فأمر نوّابه بتعذيبه ، فأخذه متولّي العقوبة ، وجعل على رأسه خنافس وشدّ عليها - يعني ألبسه طاسة نحاس بعد ما حلق رأسه ووضع عليها الخنافس لتنقب رأسه ، وهذا أشدّ العقوبات ، والإنسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلّا تنقب دماغه وتقتله . ففعل ذلك به مرارا وهو لا يتأوّه ، وتوجد الخنافس ميتة . فعجب من ذلك وأحضره وقال له : هذا سرّ فيك لا بدّ أن تعرّفني به . فقال : واللّه ما سبب هذا إلّا أنّي لمّا وصل رأس الإمام الحسين عليه السلام حملته . قال : وأيّ سبب أعظم من هذا ؟ وراجع في أمره فعفا عنه . [ إعفاء قبره بكربلاء ] وأمّا قبر الحسين فإنّ جثّته دفنت بالطفّ ، وصار الناس يزورون قبره ويتبرّكون به إلى أن كانت سنة ستّ وثلاثين ومائتين [ ف ] أمر الخليفة المتوكّل على اللّه أبو الفضل جعفر ابن المعتصم باللّه أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بهدمه . فهدم القبر وما حوله من المنازل والدور . وبذر وسقي موضع القبر ومنع الناس من إتيانه ، ونودي في الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثالثه بعثنا به إلى المطبق - فهرب الناس منه وامتنعوا من المصير إليه . وحرث الموضع وزرع ما حواليه . فقال عليّ بن محمد بن بسّام [ كامل ] « 1 » : [ 406 أ ] تاللّه إن كانت أميّة قد أتت * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما

--> ( 1 ) انظر جواد شبّر : أدب الطفّ أو شعراء الحسين ص 327 ج 1 نقلا عن أمالي الطوسي ص 209 .